حياة الأرض هي عمر الإنسان فوق الأرض في هذه المدة التي يمكثُ فيها فوقها, وهو أقصر أعمار الإنسان, لكنه أخطر الأعمار, لأنه عمر التكليف. هي حياة النفس داخل الجسد لمدة محدودة لا تتجاوز في متوسطها السبعين سنة , وتعتبر أخطر مرحلة نمرُّ بها في حياتنا , لأنها المرحلة الوحيدة التي نجمع فيها الحسنات بالأعمال الصالحة , وتنتهي هذه المرحلة بمجرد إنتهاء عُمر الجسد الذي ترتديه النفس! حياة الدنيا التي نحياها الآن تعتبر في غاية الخطورة والأهمية لأنها الحياة الوحيدة التي يُمكننا أن نعمل بها لنجازى فيما بعد في حياة الآخرة , فما لم يعمله الإنسان في دنياه لا يُمكنه عمله في آخرته. نحن نشعر بقسوة حياة الدنيا وأحياناً نذمها ولكن مع ذلك لا نجاة لنا في الآخرة إلا بالدنيا!!.. إلا بعمل يقوم به الإنسان في الحياة الدنيا, فأهل الجنة يُقال لهم يوم القيامة " كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية " الحاقة 24 , وتلك الأيام الخالية إنما هي أيام الدنيا ولياليها, ولا يمكن أن يحسب فيها شيء من القيامة.

 

الإنسان عندما وُلد حُكم عليه بالموت, فكل مولود ميت, لا يُمكن أن يُولد مولود إلا وقد قدّر له وقت موته, يُكتب معه عند نفخ الروح فيه وهو جنين. نحن كل يوم نودّع بعضنا إلى الدار الآخرة ولا رجعة لنا ولا لقاء إلا عند الحشر, ونشاهد الموت, وفيه من هو أسنّ, ومن هو أصغر, ومن هو في سننا .. ومن هو أقوى, ومن هو أغنى, ومن هو أكثر سلطاناً وجاهاً.. ونراهم جميعاً يتجهون إلى الدار الآخرة يستوون إذا دُفنوا!.. وانقطعت أخبارهم!!. إذا وقفت على مقبرة فيها الملك وفيها المملوك .. وفيها الغني والفقير .. وفيها الجميل والذميم .. وفيها الطويل والقصير .. وفيها الأبيض والأسود .. لا تميّز بينهم بشيء!!!... الذي تراه هو القبور, وما تحتها الله أعلم به, فالقبر إما روضة من رياض الجنة, وإما حفرة من حفر النار!!.. والقبر الواحد يجتمع فيه من هو في غاية النعيم, ومن هو في غاية العذاب , فتختلط عظامهما وذراتهما ولا هذا يحس بشيء من نعيم هذا, ولا هذا يحس بشيء من عذاب هذا, كل لا يصل إليه إلا ما كتب له!!.. فلذلك كان لا بد من استغلال هذا العمر الذي نقضيه في حياة الدنيا, والموت آتٍ لا محالة, وأنت تنتظره في كل طرفة عين, ولا تدري متى يأتيك, ولا على أية حالة يأتيك, ففرصتك هي هذا العمر الذي أنت فيه, والنعم التي أنعم الله بها عليك, وهذه النعم ماضية. فمدة بقائك وتمتيعك بأي نعمة من النعم هو مثل جلوسك على كرسي الحلاق ليحلق لك رأسك, ثم تقوم لتترك مكانك لغيرك, ولو دامت لغيرك ما وصلت إليك.

هل جلس أحدكم على كرسي حلاق, وهو يريد البقاء عليه أبد الآبدين؟! هكذا الدنيا كلها!! نحن الآن نسكن ديار قوم قد ماتوا وانتقلوا, وسنتركها لمن يأتي بعدنا!! والإنسان في الحياة يجمع من أنواع المال ما أذن له بجمعه, وإذا مات فرّقه ورثته ويبدؤون بالجمع من جديد, وهكذا!!.. فكل ما في الدنيا من الأرزاق ثابت ومحدد ولا يزداد, وإنما يتساوى الناس في الجمع والتفريق, هذا يجمع ليفرقه غيره, ويبدأ أولئك في الجمع, ثم يفرقه من سواهم .. وهكذا دواليك بالترتيب.

وهذا يدلنا على أن علينا أن لا نحرص كثيراً على جمع أمر سيفرقه غيرنا , فما هو إلا لعبة أطفال يبنونها لكن بنيّة النقض والهدم, هم يبنونها ويجتهدون في بنائها ويتأنقون فيه, ثم لا يهدأ لهم بال حتى يهدموا ما بنوا!!.. فهذه طبيعة الحياة الدنيا, فلذلك لا بد أن نعرف أن فرصة النعم فرصة لا بد استغلالها قبل فوات الأوان. ثم بعد ذلك تأتي الحياة الثالثة حياة البرزخ.