وهي حياة عالم الذرّ عندما مسح الله ظهر آدم وأخرج منه ذريته فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ قال: خلق من ذريتك خلقتهم للجنة, وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره مرة أخرى فأخرج منه ذرية, فقال آدم: أي رب من هؤلاء؟ قال: خلق من ذريتك خلقتهم للنار, وبعمل أهل النار يعملون. ثم خلطهم حتى يتميزون, فناداهم فقال: " ألست بربكم قالوا بلى " الأنعام 172 قالها مؤمنهم وكافرهم, وبرهم وفاجرهم, كلهم أقرّوا له بالربوبية في ذلك الوقت, والإنسان إن كان يوجه إليه الكلام, ويصدر منه الجواب, ويؤخذ عليه العهد, ويوافق عليه .. هذا دليل على أنه دخل الوجود, وأصبح ذا عمر موجود, فلذلك خاطبهم الله بذلك الخطاب فقال : " ألستُ بربكم " , وهم جميعاً أقرّوا بذلك, " قالوا بلى " , ثم أخذ عليهم العهد بعبادته وتوحيده وأن لا يعبدوا الشيطان, قال سبحانه وتعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين , وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيم " يس 60-61

حياة الذرّ التي عشناها ولا يزال يعيشها الآن من لم يهبط إلى الأرض تمنحنا الفطرة التي فطرنا الله عليها , وهي توحيد الله وعبادته والحاجة إلى الدين. وهذه الفطرة تبقى في الإنسان ما لم تفسد بمفسدات الفطرة, فالإنسان لو وُلد في جزيرة معزولة في البحر ولم يلق أي معلّم ولا مربي, فبلغ العقل والنضج لا بدّ أن يبحث عن شيء يعبده, ولا يُمكن أن يدعي بفطرته أنه مستغن عن الدين أو مستغن عن معبود, ولا يُمكن أن يدعي الربوبية لنفسه إذا كانت فطرته سليمة. بل يبحث عن معبود, فإن هدي إلى عبادة الله عبده, وإلا اتخذ آلهة أخرى, عبد حجراً, أو شجراً, أو غير ذلك .. لكن لا يُمكن أن يكون الإنسان بأصل فطرته غنياً عن العبادة! غنياً عن الرب! .. بل لا بد أن يجد نفسه مضطرة للعبادة. وهذه فطرة باقية من عالم وحياة الذرّ. قال الله تعالى: " فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " الروم 30.

في عالم الذرّ تكون الأروح محبوسة في السماء منذ ذلك العالم الأول, وتنزل إلى الأرض بالتدريج, فإذا مكث الجنين في بطن أمه أربعين يوماً نطفة, ثم يكون أربعين يوماً علقة , ثم يكون أربعين يوماً مضغة, ثم بعد ذلك يُنفخ فيه الروح, فتنزل روحه من السماء الدنيا, يأتي بها المَلك ويؤمر بنفخها فيه, وبأربع كلمات, بكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقيّ أو سعيد. وهذا التعارف الذي حصل بيننا في ذلك العالم هو الذي تقع به الألفة في الدنيا, فترى الإنسان الذي لا تجمعك وإياه قارة واحدة, ولا لون واحد, ولا لسان واحد, وتجد نفسك منجذبة إليه كأنك عشت معه زمناً طويلاً, من أين كان ذلك؟ إنما كان ذلك التعارف في الزمان الأول, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة, ما تعارف منها ائتلف , وما تناكر منها اختلف " وهذا التعارف من حكمة الله فيه تحقيق الإخاء ولو شاء الله لخلق البشر كما خلق الشجر كل شجرة لها أصل تنبت فيه, لكن الله أراد بحكمته البالغة أن يوحد البشر, فجعلهم " من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءاً " النساء 1 ليترابطوا فيما بينهم, لأن الله علم أن الإنسان الواحد عاجز عن صناعة ما يحتاج إليه. فالإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب واللباس والسكن, وهذه أربع حاجيات هي أكبر حاجيات الإنسان وقد ضمنها الله لآدم في الجنة فقال : " إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى , وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى " طه 118-119 فهذه أربع حاجيات هي : الطعام والشراب والسكن واللباس. والإنسان محتاج إليها دائماً لا يستغني عنها, ولا يستطيع توفيرها لنفسه بنفسه. لو قدر أنه اشتغل بواحدة منها, بدأ يحفر في الأرض للبحث عن الماء فمن سيرفع عنه التراب إذا وصل الحفير إلى مكان لا يستطيع إخراج التراب منه, يحتاج إلى شخص آخر ولو أراد الطعام فزرع في الأرض هل يستطيع أن يزرع ثم بعد ذلك أن يرعى؟ ثم بعد ذلك يسقي؟ ثم بعد ذلك يصبر إلى أن ينضج الحب؟ ثم بعد ذلك يحصده, ثم بعد ذلك يبدأ في طحنه وتوصيله, ثم بعد ذلك في طبخه وإنضاجه؟ هل يستطيع أن يقوم بكل هذه المراتب وحده؟! من المستحيل أن يقع ذلك, وهكذا في كل شؤون حياته, فهو محتاج إلى من يعينه. فلذلك جعل الله البشر يترابطون فيما بينهم.