"
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ" الأنبياء 1

الموضوع بإختصار شديد هو أن نفوسنا البشرية جميعها بلا استثناء مريضة بالعلقة السوداء , ونحن بحياتنا اليومية الإعتيادية نساعد على نمو العلقة السوداء بإستخدام حواسنا الخمسة , خطورة الأمر تكمن بأنه كلما كبُرت العلقة السوداء في نفوسنا تشعبت جذورها في قلوبنا لتفتح الطريق للشيطان ووسوسته بالسريان في عروقنا , مما سيُفقدنا السيطرة بالنهاية على نفوسنا ويوقعها في النهاية في قعر جهنم والعياذ بالله!

ولتأكيد خطورة هذا الأمر أقسم خالق الإنسان في أطول قسم في القرآن بأن الوحيد الذي سيفوز منّا هو من طهّر نفسه البشرية المريضة  والوحيد الذي سيخسر منّا هو من يُبقي نفسه مريضة ويُدنسها , بسم الله الرحمن الرحيم  : " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا  ,  وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ,  وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ,  وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ,  وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ,  وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ,  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا , فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا , قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا , وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  " الشمس 1-10   هذا هو أطول قسم في القرآن الكريم , حيث أقسم الله تعالى بأحد عشر مخلوقاً من مخلوقاته وذلك دليل على أن هذا الأمر هو أخطر أمر يهم النفس البشرية التي تسكن في أجسادنا!

العلقة السوداء حقيقة ومذكورة في الحديث الصحيح عندما نزعتها الملائكة من قلب رسولنا الكريم وهو طفل يلعب مع الغلمان, وطالما أنها وُجدت في قلب بشر فلماذا لا تكون موجودة في بقية البشر؟! لماذا هنالك مسلمون يصلون ولكن أخلاقهم سيئة؟ ولماذا هنالك آخرون لا يصلون ولكن أخلاقهم حميدة؟ إنها بسبب العلقة السوداء ودرجة تشعبها في النفس البشرية وطريقة استخدامنا  لحواسنا الخمسة أثناء حياتنا على الأرض في المرحلة الثالثة.

ما حقيقة النفس البشرية ؟!

النفس البشرية هي الأساس في الإنسان وما الجسد إلا ثوباً للنفس ترتديه كي يكون الوسيط ما بينها وبين العالم المادي من خلال الحواس الخمس , أما الروح فهي التي تجعل خلايا الجسد حيّة , وهي التي تجعل القلب ينبض والدم يجري والمعدة تهضم والشعر ينمو وغير ذلك من جميع العمليات اللاإرادية. النفس البشرية لا تموت عند موت وتحلل الجسد والذي يعود إلى تراب الأصل الذي جاء منه كذلك الروح تصعد إلى خالقها ...  مهلاً , هل حديثنا عن النفس البشرية خيالي ولا يتفق مع العلم؟ هل تعلقنا في القرآن الكريم وإنتمائنا للدين الإسلامي يجعلنا نحيا بعيداً عما يقوله العلم الحديث؟ بالعكس , العلم اقترب من إثبات صحة حديثنا عن النفس البشرية أو عن الشبح الذي يسكن في أجسادنا , هكذا أطلق بعض العلماء كلمة شبح في وصفه للنفس البشرية!! لنبدأ موضوعنا بطريقة علمية بحتة ونبتعد قليلاً عمّا يقوله الدين ... العالم الذي نعيش فيه هو عبارة عن عالم الإشارات الكهربائية!!

عالم الإشارات الكهربائية ...

  

إنّ كل المعلومات التي نعرفها عن العالم الذي نعيش فيه تصل إلينا عن طريق حواسنا الخمس , فالعالم الذي نعرفه يتكون مما نراه بأعيننا , وما تلمسه أيدينا, وما تستنشقه أنوفنا , وتتذوقه ألسنتنا وتسمعه آذاننا. عندما ننظر إلى أزهار,  كيف تتم  عملية الرؤية؟ العلم الحديث يقول أن عملية رؤيتنا تتم على مراحل متتالية , الحزمة الضوئية التي تصدر عن الأزهار تعبر من خلال قزحية عيننا لتنعكس على الشبكية في مؤخرة العين , ثم تحوّل الضوء الذي تنقله الخلايا العصبية إلى إشارات كهربائية تنتقل إلى نقطة صغيرة جداً تقع في مؤخرة المخ يُطلق عليها مركز الإبصار. يستقبل مركز الإبصار هذه الإشارات الكهربائية ويحوّلها بعد عدّة عمليات إلى صورة كاملة , أي أنّ عملية الرؤية تتم في هذه البقعة شديدة الصغر الموجودة في مؤخرة المخ , وهي بقعة مظلمة جداً لا ترى النّور أبداً !

    

كيف تتم بقية الحواس ؟ ما نتلقاه عن طريق عملية السمع واللمس والتذوق والشمّ ينتقل إلى المخ في شكل إشارات كهربائية , ويتم إدراكه في المركز الخاص بكل حاسية من هذه الحواس. الأذن الخارجية تجمع الموجات الصوتية المحيطة بها وتوصلها إلى الأذن الوسطى , ثم تنقل الأذن الوسطى الذبذات الصوتية التي تلقتها إلى الأذن الداخلية , وتقوم الأذن الداخلية بتحويل هذه الذبذبات إلى إشارات كهربائية ثم ترسلها إلى المخ , تتم عملية السمع في مركز السمع بالمخ , مع أنه معزول عن مصدر الصوت الخارجي. أما إدراكنا للروائح التي نستنشقها فهو يتحقق بنفس الطريقة , فالذرات المتطايرة من زهرةٍ ما تصل إلى المستقبلات التي تقع على الشعيرات الدقيقة متناهية الصّغر في منطقة تجويف الأنف , ثم يحدث لها ما يشبه التفاعل . هذا التفاعل ينتقل إلى المخ على شكل إشارات كهربائية , يتلقاها المخ على هيئة رائحة, وكما هو الحال بالنسبة إلى حاسة السمع والبصر , فإن الذرات المتطايرة لا تصل إلى المخ أبداً. أما الذي يصل إلى المخ فهو مجرد إشارات كهربائية.

  

 

هل المخ هو الذي يرى ويُدرك؟ لو قمنا بتحليل المخ , فسنجد أنه لا يوجد فيه سوى دهون وبروتينات , وهذه المكونات نفسها توجد في كثير من الأعضاء الحيّة الأخرى , أي أنه لا يوجد في قطعة اللحم التي نطلق عليها ”المخ“ ما يجعلنا نرى صوراً مختلفة , أو ما يُشكل لدينا الوعي , أو يوجـِد لدى كلٍ منا الكيان الذي نسميه ”أنا“ أو ”نفسي“.

كائن أرقى من المادة بكثير , لو فكرنا جيداً , هل كل ما نشاهده حولنا من صوّر , نراها داخل المخ؟ هل الذرات إذن هي التي ترى هذه الصوّر؟ وهي ذرات عمياء, صمّاء, لا وعي لها ولا ادراك ... ولماذا اكتسبت بعض الذرات هذه الخاصية ولم تكتسبها غيرها من الذرات؟ وهل كل ما نفعله من تفكير, وفهم وإدراك وتذكـّر وشعور بالسعادة أو الحزن يتكون من تفاعلات كهربائية ميكانيكية بين هذه الذرات؟  عندما نفكر في هذه الأسئلة نجد أنه من غير المُجدي أن نحاول البحث عن الإرادة في الذرات. فمن الواضح أن الكائن الذي يرى ويسمع ويشعر هو كائن أرقى من المادة بكثير. هذا الكائن هو كائن ”حيّ“ وليس مجرد مادة أو صورة لمادة. وهذا الكائن يربط بين المُدركات الحسيّة التي أمامه مستخدماً جسده المادي.

هل هذا الكائن الراقي هو الروح أم النفس؟ اختلف الناس في مُسمّى النفس والروح , هل هما شيءٌ واحد أم شيئان مختلفان؟ البعض قال أنهما شيءٌ واحد , والبعض قال أنهما مختلفان , والبعض الآخر قال أنهما شيءٌ واحد ولكنه يُسمى نفساً إذا دخل الجسد ويُسمى روحاً إذا خرج من الجسد , ولكل فريق منهم يوجد بعض الأدلة من القرآن الكريم والحديث النبوي. وبعد بحثٍ طويل وتفكيرٍ عميق بجميع الإحتمالات أيها الأقرب إلى الصحة والمنطق , وأيها ينطبق عليه الأدلة الأكثر والأقوى من القرآن والسنة , استقر بنا الرأي أن الروح والنفس هما شيئان مختلفان , وأن الإنسان يتكون من ثلاث مكونات أساسية هي النفس والروح والجسد وهي مترابطة معاً , وسنحاول شرح الأسباب التي جعلتنا نرجح هذا الإحتمال على غيره بإذن الله وعونه.

الروح هي التي تبعث الحياة في خلايا الجسد , الروح هي القوة المحركة لكافة أجهزة وخلايا جسم الإنسان , وبواسطتها تتم تغذية وحركة وقيام وحياة هذا الجسد , ولولا الروح لتوقـّف الجسد عن الحركة ولأصبح خامداً لا حراك فيه شأنه شأن سائر الجمادات. النفس هي المُخاطبة والمُكلفة دوماً في القرآن , النفس هي الأساس في الإنسان وما الجسد إلا ثوباً للنفس ترتديه كي يكون الوسيط ما بينها وبين العالم المادي من خلال الحواس الخمس , أما الروح فهي التي تجعل خلايا الجسد حيّة , وهي التي تجعل القلب ينبض والدم يجري والمعدة تهضم والشعر ينمو وغير ذلك من جميع العمليات اللاإرادية.

تشبيه الإنسان بالسيّارة مع سائقها , كي يَسهَل علينا فهم العلاقة بين النفس والروح والجسد , سنـُشبه مكونات الإنسان الثلاث الرئيسة بالسيارة مع سائقها

السيّارة وهيكلها = جسد الإنسان
السائق = النفس
الطاقة التي تـُحرّك السيّارة = الروح

 لا يُعتبر هيكل السيارة سوى وسيط بين السائق وعالمه الخارجي المحيط به , كذلك جسد الإنسان يُعتبر وسيط بين النفس والعالم الأرضي المادي. - لا يُمكن أن تستجيب السيارة للمؤثرات الخارجية إذا خرج منها السائق , كذلك لا يُمكن للجسد فاقد الوعي أو النائم أن يستجيب للمؤثرات الخارجية إذا خرجت النفس منه. - عند خروج السائق من سيارته تبقى هناك علاقة معينة تربطهم , سيعود إليها في الحال إذا ما شعر بوجود أي مؤثر عليها , كذلك النفس تربطها علاقة ما بالجسد , ستعود إليه بأسرع وقت (بمشيئة الله) إذا أصابه مؤثر ما.  الذي يشعر ويُدرك ويفكر ليس هيكل السيارة ولا طاقتها بل السائق وحده, كذلك النفس في الإنسان هي التي تشعر وتفكر وتدرك باستخدامها أعضاء الجسد التي تحركها الروح وتبعث في خلاياها الحياة. - انعدام وانقطاع الطاقة عن السيارة يعني النهاية لها مع بقاء سائقها يتحرك مشياً على الأقدام , كذلك انقطاع أو خروج الروح من الجسد يعني النهاية للجسد مع بقاء النفس تتحرك وتحيا بطريقة أخرى! - إجراء عملية جراحية للإنسان ونقل أو زراعة أي عضو جديد لجسده بدل عضو مريض منه , يُشبه إلى حدٍ كبير صيانة وتصليح السيارة واستبدال القطعة التالفة منها بقطعة جديدة.

ماذا يحدث للإنسان أثناء النوم؟ عندما ينام الإنسان , يُصبح كأنه جثة هامدة , مع أن قلبه لا يزال ينبض ودمه يسري في العروق ورئتيه تعملان دون توقف , هو يغوص أثناء نومه في عالم آخر : عالم الأحلام الغريب , ما الذي يحدث معه بالضبط؟ هل تخرج روحه من جسده أم تخرج نفسه وتبقى روحه؟  ” اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الزمر : 42 تبقى روح الإنسان في الجسد أثناء نومه بدليل أن قلبه لا يتوقف عن العمل, أما فقدان الوعي والإدراك للإنسان النائم فسببه هو خروج النفس من الجسد. خروج الروح من الجسد يعني الموت للجسد أما خروج النفس من الجسد فيعني النوم وفقدان الوعي للجسد مع بقاء الوعي والإدراك للنفس في عالمٍ آخر مجهول!

لماذا تخرج النفس من الجسد خلال النوم؟ النفس لا تتعب ولا تهرم ولا تحتاج للراحة التي يحتاجها جسد الإنسان , لهذا السبب تخرج النفس من الجسد في كل مرة ينام فيها الإنسان , بينما تقل العمليات التي تحدث بين خلايا الإنسان بسبب النوم والراحة . أما النفس فتكون خلال النوم في عالم آخر مجهول قد يكون هذا العالم شبيه بحياة البرزخ يُذكرنا به عزّ وجل في كل ليلة ننام فيها عسانا نتفكّر أكثر ونتذكر الموت والبعث!  ” أَن تَقُولَ نَفْسٌ يحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ”  الزمر : 56 النفس مكلفة بالعمل فقط عندما تكون داخل الجسد , ذلك يعني أن النفس غير مُكلفة أو مسؤولة عن الأعمال التي تقوم بها خلال النوم مهما كانت سيئة!  ولأن الإنسان ينام ثلث حياته تقريباً, فلا يبقى لديه للعمل إلا ثلثي حياته!

لا تزال هذه الصفحة تحت التطوير ...


موقع مراحل حياتنا الخمسة - info@5life.info
 نشر محتويات هذا الموقع ضرورية جداً للجميع قبل فوات الأوان!